بعد ظهر يوم السبت الموافق الثالث عشر من شهر آب 2005 …
إلتقيت صدفةً مع صاحبي أبي الطيّب المتنبي في مدينة ( مانجستر ) البريطانية. أصبحت الصدف الجيدة نادرةً في حياتنا في هذه الأيام. كان كلانا مدعوّاً للمشاركة في تظاهرة إحتجاج قامت بتنظيمها وأشرفت عليها ( اللجنة التحضيرية لمجلس الجالية العراقية في شمال إنكلترا ) ضد الإرهابيين والعمليات الإرهابية التي قاموا بها في السابع من شهر تموز في لندن وما سبقها وما لحقها من جرائم قتل وتفجير وتفخيخ في عواصم أخرى. كانت التظاهرة ساكنة، بمعنى أنها لم تُجِبْ شوارع المدينة. ظللنا مع بقية الأخوة العراقيين الذين حملوا لافتات الإحتجاج واقفين أمام مبنى مجلس بلدية المدينة City Hall . كان سرور صاحبي لا حدود له إذ إقترب منه محافظ أو حاكم المدينة مصافحاً ومحيياً باللغة العربية
( السلامُ عليكم ). قيل له إنه رجل مسلم من الباكستان. شاب طويل القامة أسمر الوجه بلحية سوداء غير كثّة تتدلى على عاتقيه وحول عُنقه قلادة الحكم الذهبية الثمينة. باكستاني يحكم المدينة البريطانية الكبيرة الشهيرة مانجستر ؟! ظل صاحبي طوال الوقت يردد هذا السؤال غيرَ مصدّق ما رأى بأم عينيه. تصويت وإنتخابات حرّة لا تزوير فيها ولا مزوّرون يا أبا الطيّب. يفوز بالمنصب من يحوز على غالبية أصوات الناخبين. عملية غاية بالبساطة ولا تحتاج إلى تفكير عميق وضرب الأخماس بالأسداس. تخلَ عن هواجسك وظنونك. إحتجَ صاحبي بعنف قائلاً : لكنَّ هذا الحاكم الشاب باكستاني . ولو، ولو يا أبا الطيب، باكستاني الولادة والأصل. لكنه نشأ ودرس في بريطانيا ثم أخذ الجنسية البريطانية فغدا حاله حال جميع البريطانيين، له ما لهم وعليه ما عليهم ثم إنه يدفع الضرائب. قال لم يحصل مثل هذا في زماننا. قلت بلى، كان يحصل في زمانك، بل وكان هو القاعدة. قال ماذا تقصد ؟ قلتُ من كان حاكم بغداد الفعلي في زمانك ؟ فكّر صاحبي طويلاً وظل يعاني من صراعٍ مع نفسه ثقيلٍ ثم قال متلعثماً متردداً : أحمد بن بويه. قلتُ أحسنتَ. أفما كان في بغداد يومذاك خليفةٌ عربي مسلم من آل العباس لا حولَ له ولا قوّة ؟ قال بلى، قد كان. إذن فيمَ عجبك من رجل باكستاني الأصل، يحمل الجنسية البريطانية ويحكم إحدى المدن البريطانية ؟ لاذ صاحبي بصمت مشبوه حيّرني أكثر مما حيّره. حثثته على الكلام فواصل صمته. قال نتمشى قليلاً ولنبتعد عن كاميرات التلفزيون، لا أحب أجهزة ووسائل الإعلام ورجال الإعلام. بقيت عدسات كاميرات التلفزيون وأجهزة التصوير الأخرى تلاحق المتنبي حيثما ذهب. كيف جاء الشاعر من العالم الآخر، من كوكب المريخ مارس ؟ كيف وصلته دعوة المشاركة في تظاهرة الإحتجاج ؟
إبتعدنا قليلاً عن مركز التجمع. أشعل سيجارة وعبَّ منها نَفَساً طويلاً جداً إنتصفت منه سيجارته. قال قد حيرني هذا الموضوع. ولم أجد له تفسيراً إلا في
( الجنسية ). أحسنتَ أبا الطيب. غدوت مثلي حَضَرياً عصرياً متمدناً. الجنسية هي العصاة السحرية يا أبا الطيب، الجنسية. ظل صاحبي حائراً زائغ النظرات
يُنقِّلُ ناظريه بين المارّة وبين بناء مجلس بلدية مدينة مانجستر. كان يحاول رؤية المحافظ البريطاني الجنسية ـ الباكستاني الأصل. يحاول إقتناص لمحة منه. كان المحافظ وقتئذٍ منشغلاً بالكلام مع جمهور المتظاهرين. أكمل المتنبي سيجارته، رمى عقبها على الأرض وداسه بقوةٍ بحذائه الأسود اللمّاع ولعدة مراتٍ ثم تكلّم بنشاط وحيوية قائلاً : إسمعْ، ما كنا نعرف ( جنسيتكم ) هذه. وحين حكمنا البويهي أحمد لم نشترط عليه أن يكتسب الجنسية العراقية التي لم يكن لها أي وجود أصلاً. كان مثلنا مسلماً وكفى. الإسلام كان جنسية الجميع. ثم، كيف سوّلت لكم نفوسكم أن تشتقوا هذا الإسم الدال على الهوية والإنتماء إلى وطن بعينه، كيف إشتققتموه من كلمة ( جنس ) الدالة على النوع ( بشري أو حيواني ) من جهة، وعلى خِلقة الإنسان أهو ذكرٌ أم أُنثى. ولعلي أضيف : الجنس هو ممارسةُ ذكرٍ لأنثى أو ذكر لذكر. أفحمني صاحبي، فلقد كان شرحه صحيحاً.
لكن عزائي أنّي لست من أوجد أو إخترع هذا الإشتقاق الخاطيء معنىً ولغةً. نعم، أفحمني. ففي بريطانيا يسمونها Citizenship أو Nationality وليس في أيٍّ منهما ما يدل على الجنس. إنتصر الشاعر في مدينة مانجستر أمام مبنى بلدية المدينة. إنتصر وهوالخبير في أمور لغته.
قبل أن ترفضَّ التظاهرة عرّفت الشاعر على السيدة الدكتورة ( منيرة أوميد ) الناشطة في مجال حقوق الإخوة الكُرد الفيلية. رحبت بالشاعر العربي، أعطته عنوان موقع صحيفتهم على الإنترنت ( WWW.WATTAN4 ALL.COM ) وسألته أن يكتب للموقع قصيدة خاصة يؤكد فيها على عراقة وأصالة هذا الشعب المجاهد الصابر والمثابر. لم يعِدْ أن يكتب شعراً. قال لها إنه ترك قول الشعر ولكن، ربما يكتب مقالةً عن كرد مدينة الحلة وهم لا شكَّ كُردٌ فيلية. رحبت السيدة بالفكرة وشكرته ثم عرّفته على قرينها الدكتور ( نعمان جبّار ).
عصرية رائعة حافلة أتممنا بهجتها وروعتها المتفرّدة في ضيافة الدكتور ( صباح حسن السوداني ) الذي كان أحد نجوم التظاهرة تهيئةً وإعداداً. وكانت زوجه السيدة فاطمة تقوم بتوزيع المنشورات الخاصة بهذه المناسبة على جماهير المارّة. زرنا بيته العامر وتمتعنا بشاي السيدة فاطمة الفاغم البخار. تمشينا وبصحبتنا دكتور الكيمياء السيد ( أحمد ) في منتزه مجاور بالغ الفتنة رائع التنظيم. بعد ذلك دعانا مضيّفنا سليل قبائل بني أَسوَد ( أخوة بني أسد ) على عشاء في مطعم هندي معروف في المدينة. كان معنا على العشاء نجل الدكتور صباح الشاب الفاتن ( رامي ) وصديقته. رامي يدرس الأدب الإنجليزيى في جامعة كامبريج البريطانية. كانت ( فاطمة ) سيدة مائدة الطعام، بشخصيتها وذكائها وطريقتها في توجيه الأسئلة. إنسحب المتنبي بعد العشاء مباشرةً معتذراً أنَّ لديه موعداً آخر ودعوةً لحضور مراسم إفتتاح جريدة جديدة في بغداد. ودّعناه متمنين أن تجمعنا وإياه الصدف العمياء مراتٍ ومرات. أخذني ( صباح ) بعد منتصف الليل بسيارته الألمانية الصنع إلى مدينة ( شفيلد ) حيث أُقيم متمتعاً بكرم ضيافة أخي وصديقي الأعز الدكتور نوري سالم وحرمه المصون فاليري. جلست فاطمة في المقعد الخلفي من السيارة وبيدها خرائط الطريق لتقوم بدور المرشد. كانت فاطمة معنا أبداً.
وداعاً مانجستر. وداعاً صباح. وداعاً فاطمة. وداعاً شفيلد نوري وفاليري. إلى لقاء آخر قد يشهده المتنبي.
[[ وصلتُ مدينتي ميونيخ فوجدت رسالة بالبريد الألكتروني أرسلها المتنبي يقول فيها : قرأتُ مقالتك عن كُرد الحلة منشورةً في موقع (( البيت العراقي ))
WWW.IRAQIHOME.COM الذي يرأس تحريره الدكتور صباح السوداني ]]. شكراً صباح. سأرسل لك المزيد.